ابن ميثم البحراني

228

شرح نهج البلاغة

وشقاء ، ويكفى في الإشارة إلى متاعب الإنسان فيها ما ذكره الحكيم برزويه في صدر كتاب كليلة ودمنة في معرض تطويع نفسه بالصبر على عيش النسّاك : أو ليست الدنيا كلَّها أذى وبلاء أوليس الإنسان يتقلَّب في ذلك من حين يكون جنينا إلى أن يستوفى أيّامه فإنّا قد وجدنا في كتب الطبّ أنّ الماء الَّذي يقدّر منه الولد السويّ إذا وقع في رحم المرأة اختلط بمائها ودمها وغلظ ثمّ الريح تمحص ذلك الماء والدم حتّى تتركه كالرائب الغليظ ثمّ تقسمه في أعضائه لآناء أيّامه فإن كان ذكرا فوجهه قبل ظهر أمّه وإن كان أنثى فوجهها قبل بطن أمّها ، وذقنه على ركبتيه ويداه على جنبيه مقبض في المشيمة كأنّه مصرور ، ويتنفّس من متنفّس شاقّ ، وليس منه عضو إلَّا كأنّه مقموط ، فوقه حرّ البطن وتحته ما تحته ، وهو منوط بمعاء من سرّته إلى سرّة أمّه منها يمصّ ويعيش من طعام أمّه وشرابها فهو بهذه الحالة في الغمّ والظلمات والضيق حتّى إذا كان يوم ولادته سلَّط اللَّه الريح على بطن أمّه وقوى عليه التحريك فتصوّب رأسه قبل المخرج فيجد من ضيق المخرج وعصره ما يجده صاحب الرهق [ الرمق خ ] فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسّته يد وجد من ذلك من الألم ما لم يجده من سلخ جلده ثمّ هو في ألوان من العذاب إن جاع فليس له استطعام ، وإن عطش فليس له استقاء ، أو وجع فليس له استغاثة مع ما يلقى من الرفع والوضع واللفّ والحلّ والدهن والمرخ ، إذا انيم على ظهره لم يستطع تقلَّبا . فلا يزال في أصناف هذا العذاب ما دام رضيعا . فإذا أفلت من ذلك أخذ بعذاب الأدب فاذيق منه ألوانا ، وفي الحميّة والأدواء والأوجاع والأسقام . فإذا أدرك فهمّ المال والأهل والولد والشره والحرص ومخاطرة الطلب والسعي . وكلّ هذا يتقلَّب معه فيها أعداؤه الأربعة : المرّة والبلغم والدم والريح ، والسمّ المميت والحيّات اللادغة مع وخوف السباع والناس وخوف البرد والحرّ ثمّ ألوان عذاب الهرم لمن بلغه . الثاني : كون آخرها فناء . هو تنفير عنها بذكر غايتها وهو الموت وما يستصحبه من فراق الأهل والأحبّة ، والإشراف على أهوانه العظيمة المعضلة . الثالث : كونها في حلالها حساب . وهو إشارة إلى ما يظهر في صحيفة الإنسان يوم القيامة من الآثار المكتوبة عليه ممّا خاض فيه من مباحات الدنيا ، وتوسّع فيه من المآكل